المبادئ أساس الحياة

المبادئ أساس الحياة

24
0

إن الواقع الذي تعيشه الشعوب هو حقيقةً انعكاس القيم التي يؤمنون بها، وإذا أردت أن تقيّم شعب أو مجموعة معينة فعليك أن تعرف القيم التي يعتقدون، لأن القيّم هي المحرك الأساسي للشعوب، وهو ما يميّز شعب عن آخر، أو مجموعة عن مجموعة أخرى، أو فرد عن فرد آخر. و إذا أراد المصلحون أن يتقدموا بالشعوب أو بالأمم فعليهم أن يغيروا ويصلحوا القيم التي في صدورهم.

إن واقع الإنسان وكذلك واقع الشعوب هو نتيجة طبيعية لما يحملونه من قيم، وعندما تتغير القيم، تتغير الأعمال التي يقومون بها، ومن ثمّ يتغير الواقع الذي يعيشونه. فإنّ ساءت قيمهم ساء واقعهم، وإن صَلُحت القيم صَلُح الواقع تباعاً، “إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
تقوم حياة الإنسان على مبادئ أساسية، وهذه المبادئ هي التي تتحكم في اختياره للقيم التي يعتقدها. وما يؤمن به من قيَم، هو ما يصنع أخلاقه وسلوكياته.
فقد يختار الإنسان قيمة فاسدة إذا كانت تعطيه بعض النتائج التي يطلبها. فيختار الكذب مثلاً إذا كان يعود عليه بالمال. فهو لا يرى أن الصدق حسناً أو أنه خير من الكذب. فهو يرى الكذب حسناً مادام يعود عليه بالمال وبنتائج إيجابية حسب اعتقاده. فالمبادئ الأساسية للحياة هي التي تحكم الحسن والقبح بالنسبة للإنسان وفي نظره وعقله
فمثلاً إذا كان الإنسان حامداً لله، فإنه يرى الصدق حسناً، بعكس الكافر بالله، فإنه لا يرى أي قيمة للصدق، بل القيمة الحقيقية للشهوة أو للحياة الدنيا.
وأخلاق الإنسان وسلوكياته، هي ما يصنع أعماله وقراراته اليومية. وكذلك فإن الأعمال التي يقوم بها بشكل يومي أو متكرر، هي التي تحقق أهدافه صغيرةً كانت أم كبيرة. وسلوكيات الإنسان هي عاداته وانفعالاته اليومية. فهناك أناس مجتهدين مثابرين يبحثون عن تحقيق دواتهم بأعمالهم ويضعون لأنفسهم خطط ورسالة، وهناك أناس كسالى، يتوانون بأعمالهم الأساسية، ويبحثون عن الدعة والراحة والمتعة الآنية. فهذه السلوكيات هي التي تحكم أعمال الإنسان بشكل يومي.
إن مجموع الأهداف التي يحققها الإنسان هي التي تصنع له الإنجازات عبر الزمن. فالأهداف اليومية التي يحققها الإنسان هي الخطوات التي تتقدم به نحو تحقيق الإنجاز الذي يشاء. وإن الإنجازات التي يحققها الإنسان هي ما يشكل ويصنع ويغير واقعه.
فأعمال الإنسان والتي تحقق أهدافه وإنجازاته وتصنع واقعه هي محكومة بسلوكياته وقد نصطلح هنا على السلوكيات بالأخلاق أو العادات أو التوجهات.
وهذه السلوكيات والتوجهات تحكمها قيَم الإنسان التي لا يتنازل عنها، والتي يكون لها قيمة أساسية في قلبه، وهذه القيَم قد تكون شهوات أو قيَم دينية أو قيَم اجتماعية. وإن اختيار الإنسان لهذه القيم يعتمد على المبادئ الأساسية لحياته.
لقد اشتققنا مبادئ الحياة الأساسية للإنسان والتي تحكم حياة الإنسان ومصيره من سورة الحمد في القرآن الكريم. وقد يكون الإنسان واعياً لهذه المبادئ آخذاً بها، أو غافلاً عنها. ولكن هذه المبادئ هي التي تحكم طبيعة حياة الإنسان بشكل واعي أو بشكل غير واعي.
إن مصدر هذه المبادئ الأساسية هو المشيئة الإلهية، فوجودها من العدم والتي علّمت الإنسان سبيل ارتقائه في الحياة كان بسمه تعالى الرحمن الرحيم.
المبدأ الأول وهو أصل بقية المبادئ هو الحمد. فإما أن يكون الإنسان حامداً لخالقه أو كافراً. فيجب أن يكون المحرّك الأساسي في حيات الإنسان هو الحمد للخالق عز وجل، فتكون جميع قيَمه التي في قلبه، وسكناته وحركاته هو الحمد لله عز وجل، وذلك بمعنى آخر العبودية له عز وجل. وكمال العبودية لله هو الإخلاص له تعالى.
فالحمد يحكم القيم في قلب الإنسان، وبالتالي يحكم توجهاته وأفعاله وتصرفاته اليومية وأهدافه التي يسعى لتحقيقها. وبالتالي فإن واقع الحياة التي يعيشها الإنسان هو انعكاس مقدار حمده لله أو كفره به.
يتفرع من الحمد لله الثقة بالله، أو بمعنى أخر التوكّل على الله. فالإيمان بأن مبدأ الوجود هو المولى عزّ وجل، فأعمال الإنسان ونجاحاته في هذه الدنيا هي بحول الله وقوته، فالثقة الإيجابية بالله هي محرك أساسي لأعمال الإنسان مهما كانت الظروف. ومن دون الثقة بالله يصبح الإنسان ضعيفاً ومعنوياته قد تنهار أمام أي صعوبات قد يواجهها. فعلى الإنسان المؤمن أن يتحلى بالثقة بالله في كلّ حالاته وظروفه.
لابد وأن يكون الإنسان محاسباً ومراقباً لنفسه في كلّ حالاته حتى يكون حامداً لله ومنضبطاً في هذه الحياة، ولا تكون حياته بهيمية. وبدون مراقبة الذات ومحاسبتها فإنه لا يمكن للإنسان أن يكون حامداً لله، وكذلك فإن حياة الإنسان بدون محاسبة ذاتية قد تتدهور ويخسر الدنيا والآخرة. فلا يقوّم الإنسان كمراقبته هو لذاته، ولا يمكن أن يحقق النجاحات والإنجازات إلا بالاجتهاد ومراقبة الذات ومحاسبتها.
ومن المراقبة والمحاسبة ينشأ التخطيط، فلا يمكن للإنسان أن يحاسب ذاته وهو لا يملك خطة أو مشروع أو أهداف أو رسالة يسعى لتحقيقها. فالحساب يأتي بمقدار تحقيقا الإنسان لهذه الأهداف أو تقصيره فيها. و إن الإنسان الذي لا يحاسب نفسه سوف تصبح حياته هامشية ولا يمكن أن يحقق الحمد لله والغاية من وجوده.
والمراد بهذا المبدأ هو الاعتماد على أعمال الإنسان، فيجب على الإنسان أن يؤمن بأعماله في صناعة حياته وواقعه، ولا يعتمد على صنم أو شخص آخر أو أمل بلا عمل. وإن اعتماد الإنسان على أعماله نفسه بما آتاه الله من أدوات وآلات ونِعَم هو حقيقة الاعتماد على الله عزّ وجلّ والتوكل عليه.
وعندما لا يعتمد الإنسان على ذاته فإنّه يصبح عاجزاً عن العمل وتذهب حياته هدراً في تفويض حاجاته لغير أعماله. وإن تفويض حاجاته لأعماله هو حقيقة التفويض إلى المولى عزّ وجل الذي يحب أن يرى عبده يعمل ويأخذ بالأسباب الصحيحة للنجاح. والمولى عزّ وجلّ هو الذي خلق الحياة الدنيا ليبتلي البشر أيهم أحسن عملا. فهو يريد أن يرى أعمال عباده الحسنة فيكافئهم عليها.
وإن حقيقة اعتماد الإنسان على أعماله لتجاوز المحن والصعوبات ولتحقيق الإنجازات هو في الحقيقة ما يغير نفس الإنسان ويتطور ويرقى بها.
إن المحرّك الأساس للإنسان والذي يصنع واقعه في الحياة الدنيا والآخرة هو عقله. وإنّه بالعقل يحمد ويشكر، وبالعقل يكفر ويذنب. فسلاح الإنسان في شق طريق هذه الحياة والانتصار فيها هو عقله، وهو ما يميزه عن بقية الموجودات.
والعلم هو غذاء العقل، فالعقل بلا علم يصبح ضعيف وعاجز، وكذلك يصبح الإنسان ضعيفاً عاجزاً. وكلّما زادت معلومات الإنسان المفيدة، زادت قدراته وأصبحت أعماله أكثر تأثيراً وقيمة. فالعلم هو أساسي لنجاح الإنسان في حياته، ولكي يحمد خالقه على نعمة العقل. بل إن العقل هو مفتاح النعم العظيمة، وقيمة الإنسان يحددها مستوى علمه وعقله.
فالقرآن الكريم يجعل العلم هو المحرّك الأساس للإنسان المؤمن والحامد لله «ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أو لذلك كان عنه مسئولا». فلا بد أن يكون الإنسان طالباً للعلم على كلّ حالاته، لأنّه خلق جاهلاً ضعيفاً، وبالعلم يقوى ويحمد ويقترب. و إنّ أفضل أعمال الإنسان بعد الفرائض هو طلب العلم، بل إن طلب العلم فريضة بعد الفريضة.
طلب الكمال هو محرّك أساسي لتكامل الإنسان ونجاحه. وإذا فقد الإنسان الرغبة في الكمال فإنّه لا يمكن أن يطلب العلم، أو أن يلتزم بالقيم الصحيحة، ولا يمكن أن يحاسب ذاته، وبذلك لا يمكن أن يكون حامداً لله عز وجل. فطلب الكمال هو محرّك أساسي لحياة الإنسان وسعيه للتكامل والنجاح في هذه الحياة الدنيا والوصول إلى النعيم الآخروي.
وحقيقة الكمال هو الصراط المستقيم الذي إذا وصل إليه الإنسان واستقام فإنه سوف يصل إلى حمد الخالق ورضاه، وسوف ينال خير الدنيا والآخرة. إن طلب الكمال هو الذي يدفع الإنسان نحو الاجتهاد والكدح والحركة، وبالتالي التقدم والنجاح والفوز في الدنيا والآخرة.
ولا يقعد بالإنسان عن التقدم مثل عدم طلب الكمال والذي ينتج عنه العجز والكسل والإحباط والفوضى. وإن عدم طلب الكمال هو الذي يهدر طاقات الإنسان ويفوت عليه الفرص التي سوف تصبح حسرات في نفسه في الدنيا والآخرة. فأعمال الإنسان الصحيحة وحتى عباداته هي في طلب الكمال ورغبة في الوصول إليه.
بقلم : عمر دغوغي صحفي وفاعل جمعوي

شاركها

بدون تعليق

شارك بتعليقك