مقاومة الابتلاع بالسخرية والضحك قراءة في مجموعة “كسكس الجمعة” للمبدع: محمد إدارغة

مقاومة الابتلاع بالسخرية والضحك قراءة في مجموعة “كسكس الجمعة” للمبدع: محمد إدارغة

41
0

د. عبد الرحيم التادلاوي
تتعدد مداخل المجموعة، و تتنوع ؛ و قد ارتأينا الإطلالة على نصوصها من زاوية الالتهام، كتيمة ، رأيناها مهيمنة ؛ إذ تنطلق من العنوان لتعم الأضمومة بأسرها.
فمنذ كلمة ” كسكس ” الواردة فيه، وجدنا أنفسنا مقذوفين في عالم يسوده الافتراس، و تهيمن عليه قيمة القوة. لا مجال فيه للضعف ؛ فكل ضعيف هو مشروع طعام يغري بافتراسه، و التهامه.
يرسم لنا القاص، محمد إدارغة، غبر جغرافية النصوص، معالم الفتك المبين الحاضر في تلافيف الأضمومة، موظفا معجما دالا عليه :
1_ مرادفات الالتهام، نجد :
الابتلاع، الطحن، السحق، التذويب، الأكل، الشرب ، التلاشي ، الازدراد..
2_ و معجم الجسد، نجد :
الفم ، الأطراف ، اليد ، الشرايين ، الأرداف ، الأحشاء ، الأنف ، الأقدام ، الأصابع ، الصدر ، النهد ، الرأس ، إلخ..
3_ أما عن العناصر المبتلعة، فنجد :
الإنسان ، الطعام ، الماء ، الموز ، الثمار ، البذور ، القهوة ، الحليب ، الكسكس ، الدواء ، الشاي ، الزيتون ، الأكباش ، الحلوى، الخضر ، المال” لكونه كالماء، يتدفق ” ، إلخ
و هو معجم يوظف بحسب السياق و المقامات، فحين تحضر تيمة الإنتخابات، يكون الطعام بشتى أنواعه، صحبة المال، وسيلة لجر المنتخبين، و طريقة إغراء للحصول على الأصوات، مما يفرغ المعجم من دلالاته الإيجابية..و حين تحضر تيمة الجنس، فيتم توظيف بعض المفردات للحديث عن التبخيس..
و قد تمت معالجة القضايا المطروحة، و أساسا، الالتهام ، بروح ساخرة، و نفس ضاحك. فالسخرية عصب معظم هاته النصوص التي تنتشر فيها المفارقة ، بالصريح أو التلميح. إذ القصة القصيرة ، جوهريا، تقوم على المفارقة، و تنبع من الخلل ؛ هذا الخلل الذي يجسده الخطر المهدد للهوية بالإفراغ، و الطحن ؛ و المقصود بالهوية هو تلك الخصوصية التي تميز المغرب عن المشرق و عن الغرب معا ؛ فالكسكس خصوصية مغربية تميزنا عن الشرق، و الجمعة، خصوصية تميزنا عن الغرب، من دون أن يعني ذلك الانغلاق أو التشرنق، بل يعني التلاقح الإيجابي حين لا يكون على حساب ما يميزنا..
و نحن إذ نقوم بهاته الرحلة في ربوع النصوص العطرة، فلإبراز معالم السرد النقدي الساعي إلى تبيين الظلم النازل بالشخصيات الضعيفة و المستغلة { بفتح اللام }، مع إبراز أثر ذلك في التماسك الاجتماعي ، و أخطاره على القيم الإايجابية اللاحمة للأفراد و الجماعات، مشيرا، في الآن ذاته ، إلى وسائل العلاج، و المتمثلة ، أساسا ، في العنوان.
فالكسكس من الطعام، و كل طعام إلى ابتلاع ؛ و ككل ابتلاع فإنه يخضع لعملية ” الإدخال و الإخراج “، فما يدخل لابد له من أن يخرج ” ص ص 104 و 105.
بمعنى أن الابتلاع يخضع بالضرورة لعملية تحويل يفرضها الهضم . من هنا، يجوز لنا القول إن المجموعة تحتفي بالجسد المادي، و بالسفلي منه على وجه الخصوص.و استحضاره كان بغاية تحقيق النقد اللاذع، إذ من خلاله نحصل على رسم كاريكاتوري، فالأسفل يظهر بشكل منتفخ للغاية، أما الرأس، فيبدو صغيرا جدا، إنها إشارة ذكية تبرز مدى انتعاض الجهات المسيطرة من الفكر، و بخاصة النقدي، إنها تدعو إلى الاهتمام بالجانب الحسي الغرائزي، و العمل على إشباعه، بعيدا عن الفكر المنغص، و المعيق لفعل الابتلاع المطلوب و المنشود، إن الرأسمالية المتوحشة تسعى بكل ما أوتيت من طاقة إلى تعطيل فعالية العقل حتى تسهل عملية الهيمنة و من ورائها الابتلاع. و هي إشارة للنقاد لينكبوا على هذا الجانب قصد إلقاء الضوء عليه نقدا و تشريحا.
هذا الطعام، يمثل عنصرا مهما في صلة الرحم، فهو أكلة لا تتحقق إلا بواسطة الجماعة ، تناوله فرديا لا يحقق الإشباع و المتعة و التواصل، إن الكسكس طقس احتفالي متجذر في التاريخ، و قد صار اليوم مهددا ، بفعل العولمة التي ترمي إلى جعله حفلا فلكلوريا مفرغا من قيمه الإيجابية التي يحملها ؛ تقصد : قيم صلة الرحم و التواصل و التعاضد و التكافل..
تبدو لنا النصوص كإنسان فاغر فمه يطلب إدخال الطعام إلى بطنه الفارغة دوما ؛ بطن كالطبل لا يشبع من الضرب، فكأن الضرب هويته الملازمة له، لا يكون إلا به ، بطن شبيه بحفرة تبتلع كل شيء و أي شيء..المهم، أن تمتلئ ، ففي الامتلاء كمالها و منتهى صبواتها.
و قد ندد القاص ، طوال متن المجموعة بكل أشكال الاستهلاك التي تطال الإنسان، و الحيوان، و النبات، رافضاابتلاع حقوقها المشكلة لوجودها و يناعتها، واقفا إلى جاتب فضيلة العدل ، و الجمال ، و الحرية..
كما أنه بعث برسالة مفادها أن العولمة و إن سعت إلى إفراغ القيم من مضامينها الإيجابية، فإن مقاومتها تمر عبر استعادة الجسد المنتهك لمقوماته الصحيحة و الصحية، فهي القادرة على حمايته من الابتلاع.
و لأن العولمة / الأخطبوط لا تقوم هويتها إلا على الابتلاع عبر تحويل العالم إلى بطن فارغ يطلب باستمرار ملأه بالضروري و غير الضروري ، فإنها تشجع على الاستهلاك ، و رفعه إلى مقام الهوية المطلوبة، و المقدس الواجب الامتثال لطلباته.
و لا ينجح الابتلاع أو الالتهام إلا بحضور عناصر تخدم هذا الهدف ، و تصوغ نجاحه، و تسهل مامورية فعله، و هاته العناصر هي :
_تعميم الخرافة { بركات التينة المحروسة }
_الاعتماد على التزييف { الحريق }.
_التعميم المغلوط { التعميم اتجاه ممنوع }.
_التسلط و السلطوية { الحريق و قرار مهاجر } .
_التهميش و الإقصاء { أضغاث هاربة }.
_الاستغلال { حكاية عليوات مع الطبلاوي أفندي }.
و غير ذلك من آليات الإخضاع.
ففي نص ” حكاية عليوات..”نجد العلاقة بين الأطراف تقوم على التضاد و التنافر، فهناك اختلاف جلي بين الطرف المستغل، و بين الطرف المستغل، حيث يسعى الطرف المستغل { بكسر اللام }، في ظل هذا التناقض ، إلى توظيف كل الآليات التي تمكنه من استغلال الطرف الثاني، باعتماده على آلية الإفراغ و الملء ؛ إفراغ الجهة المستغلة { بفح اللام }، من عناصر مقاومتها، و مقومات مناعتها، لتسهل عملية ابتلاعها.فعن طريق هذا المخطط تصير طيعة و لينة، و غير قادرة على المواجهة، مادامت أسلحتها قد تم نزعها منها، و هكذا، تسير مغمضة العين و العقل إلى حتفها راضية مرضية.
إن الانمساخ يعد من تلك الآليات ، و الطرق الجهنمية التي رامها الطبلاوي، رمز الاستغلال الداخلي و الخارجي معا. فقد قام بمسخ اسم ” علي ” ، و بذلك حقق هدفين :
1_إزالة قيمة السمو التي يتضمنها، و إخراجه من دائرة السمو، و الرفعة، و النزول بها إلى حضيض الحيوانية، ليصير مجرد كائن مفرغ الدلالة، مفرغ من إنسانيته.
2_تطويعه ليصير قابلا للتسخير، و الاستغلال حد الاستنزاف.
و تجدر الإشارة إلى أن ” عليوات “، الاسم الحالي ل ” علي “، يمثل كل الأشخاص الذين استغلهم الطبلاوي طوال حياته الاستبدادية؛ مما يعني أن الطبقة المستغلة { بفتح اللام } واحدة، و إن تعددت ألقابها و مسمياتها، فقد ظلت تعيش تحت مظلة علامة اسم واحد و هو ” عليوات “.
فسلسلة التشويه ، و الانمساخ ، و التطويع ، و الاستغلال ، و من ثم الاستنزاف، تقود جميعها، في النهاية، إلى الابتلاع. إن الانمساخ وسيلة ذكية لتحقيق الأهداف، و تحقيق الغايات، و بلوغ المرامي.
و يتجلى ذلك في النصوص التالية، و إن بأشكال مختلفة :
* الكسكس : إفراغ لبعده الاجتماعي، و تحويله إلى طقس فلكلوري فرجوي، يحقق متعة الأكل، و لذة الاستمتاع، من دون حمل لقيمته الايجابية الكبرى.
أو تحويله إلى طقس انتخابي احتفالي فارغ من قيمته التضامنية، لأنه يصبح في مثل هاته المواسم بمثابة حفل خاص يجني المترشح مزاياه، و يستثمر أبعاده لصالحه الخاص، أي ينقله من الجمعي إلى الفردي، حيث نلاحظ من خلال حصده للأصوات، ابتلاعا لها، بمعنى، ابتلاع المصوتين، و بذا، ينتفخ كتلك الحفرة الممتلئة بكل الهوام.
*الحريق : إفراغ الإنسان من قوته الفكرية، و قدراته التحليلية، بملئه بالخرافة، و حشو ذهنه بالشعوذة، بغاية إبقائه تحت السيطرة، بحيث يصير غير قادر على المقاومة وغير قادر على إدراك مصلحته، و غير قادر على معرفة عدوه.
*قرار مهاجر : إفراغ المهاجر من مقاومته، و هو الذي تغرب محصنا بثقافته ، بغاية تحسين أوضاعه، فقد تم تدجينه بالمال، و سلب إرادته و كرامته، نعم، لقد أدرك من فعل ابنه أنه سائر إلى الذوبان، و بذل البحث عن سبيل للمواجهة الإيجابية، بمعنى القدرة على مواصلة العيش من دون أن يفقد خصوصيته، و كرامته، و ينفتح على الآخر من دون مركب نقص، سيقوم بتهريب ابنه، بإعادته إلى بلده، ظانا أنه حصنه من الذوبان، ناسيا، في الوقت نفسه، أن التدخين قد غزا موطنه الأصلي..
و بهذا السلوك، لم يقم إلا بإدامة أمد استغلاله، و استنزاف طاقته، و في الأخير، الرمي به خارجا حين يصبح غير نافع..
*الحفرة : إفراغها من تربتها، و هي العنصر الأساس المشكل لهويتها، وملؤها بما يضادها، أي بكل العناصر المشوهة لها، بحيث تصير هجينة لا تنفع بقدر ما تضر، إنها حفرة تتحول إلى فم مفتوح يهدد سلامة الناس..
* خطأ طبي : بطن الزوجة تظل فارغة في انتظار النطفة الطاهرة التي ستهبها الحياة، غير أن بقاءها فارغة يعني أنها مهددة بفقدان هويتها بفعل العقم المحتمل لدى الزوج، و يتم تلافي الأمر في آخر لحظة بعد أن تم تدارك الخطأ. مما يعني ، في النهاية ، إمكانية ولادة جيل جديد قادر على النهوض بأعباء المقاومة ، إذا كان ، طبعا ، من نطفة حلال، و إلا فسيكون من دون هوية، لكونه نبتا شيطانيا، أي من نطفة حرام، فالبطن لن تظل فارغة، فهي تكرهه لأنها تشبه الطبيعة.
يمكن القول، كنتيجة، إن فعل الاستبدال رد فعل طبيعي للوعي الفردي بمأساة الجماعة حين تسلم بتعاليم بشرية تهمش الفرد ، و تقصي الفكر ، وتؤذن بانفصال الذات عن أصلها الاجتماعي.
من هنا تأتي الشجاعة بصبغتها الإنسانية ، كصفة يتحلى بها الفرد للخلاص من هذا المأزق ، و الدفاع عن الحقوق التي سلبتها العولمة.
و كخلاصة غير نهائية، إن وظيفة الفن لا تنحصر ، كما تؤكد المجموعة ، في التعريف بالعالم، لكنها تحاول إنتاج نواقصه ، و من ثم الإشارة إلى كيفية تجاوزها.
لقد استطاعت النصوص أن تعيد الإنسان إلى كينونته و هويته ، و تكشف التيمات و الأبعاد المختلفة للهوية الروحية ، و تحافظ عليها من التشتت و النسيان و التلاشي و الابتلاع ؛ لأنها تسبر أغوار الكائن البشري ، و تؤسس لنوع من المعرفة الوجودية بأبعاد الوجود المجهولة ، في ظل الهجمة الشرسة للعولمة الساعية إلى محو كل أشكال الهوية لصالح التنميط.

المؤلف إدارغة ، محمد

العنوان كسكس الجمعة [نص مطبوع] : مجموعة قصصية / محمد إدارغة

الناشر مكناس : جمعية الأفق التربوي ، 2012

شاركها

بدون تعليق

شارك بتعليقك